التقنيات الفنية والجمالية المتطورة في القصة القصيرة
أما ما نطلق عليه "النسيج اللغوي" الذي يشمل الحوار والسرد فهو المتن النصي للقصة الذي يجسد
الحدث ويشكل الشخصيات ويتنامى بهما في اتجاه تحقيق الأثر الكلي, من هنا يتحتم على الكاتب أن يولي أهمية كبرى للغة ومستوياتها وقدرتها على التصوير بحيث تكون بالغة التكييف والتركيز والاقتصاد بحيث توحي كل لفظة بالمعنى المطلوب, ولا تكون هناك أي مفردة لا ضرورة لها.
البنائية
وقد نهض الشكلانيون الروس بمهمة تحديد الخصائص البنائية للقصة القصيرة والتي أعمد إلى الاستفادة منها في استخلاص ثلاث خصائص أساسية هي "وحدة الأثر, لحظة الأزمة, اتساق التصميم" وتتمثل وحدة الأثر في ما تتركه القصة القصيرة من انطباع نتيجة خلوها من التراخي والاستطراد وتعدد المسارات والزوائد والتكرار وهذه قد أكدها الرعيل الأول من كتاب القصة القصيرة , ولكن التركيز على تعاقب المفارقات وجدل النقائض وتراكم الإيحاءات وما إلى ذلك من التقنيات يبدو أثرا من آثار الشكلانيين .
لحظة الأزمة
أما لحظة الأزمة فهي اللحظة التي يتكاتف فيها التوتر وينطوي عليها الاكتشاف , وهي نابعة من اتساق التصميم وهو يقود بالضرورة إلى دراسة الملامح التي تمثل العناصر الأساسية للقصة , فترتيب هذه العناصر لابد من منطلق يربط الأحداث بعضها ببعض في سياق يستجيب لجملة الإشارات التي يطلقها الكاتب في القصة , و ينهض الزمن بدور رئيسي في اتساق التصميم وعملية التتابع الذي يتمثل في عدة أشكال تتفق جميعا في أنها تثير مجموعة من التوقعات والاحتمالات ومنها التتابع السببي أو المنطقي , والتتابع النوعي أو الكيفي والتتابع التكراري , والأول يتم في مسار أفقي تدريجي من المقدمات إلى النتائج .
أما الثاني فهو لا يعتمد على التوقعات المحكومة بالمنطق بل بالحدس والتخمين لأنه يتكئ على الإيماءات والإشارات , والثالث يستلزم إغناء النص من خلال إعادته بصورة جديدة بتوسيع أفقه والإضافة إليه .
الظواهر الفنية المتطورة
وقد برزت ظواهر فنية جديدة في القصة القصيرة الحديثة تتمثل في :
) أولا : ظاهرة التفتيت
وتسمى هذه الظاهرة "البعثرة المنهجية" وتعني تعمد تشتيت السياق السردي , وتشكيل الشخصية القصصية على نحو تبدو معه , كأنها مجتمعة من ملامح لا انسجام بينها , تتداخل العوالم وتتشابك الأحداث وتتسرب الشخصيات في مسالك شتى , وأصبح الترابط يعتمد البنية العتيقة التي تتجاوز الشكل الظاهري , وقد بدت هذه الظاهرة في البناء المقطعي للقصة القصيرة وتجزئتها إلى وحدات , تبدو كل وحدة وكأنها صورة منفردة مصغرة للبناء الشامل, وتصبح "بنية فنية تنقل سلسلة محدودة من الأحداث أو الخبرات أو المواقف وفق نسق متوافق يخلق إدراكا كليا خاصا به", ولا يقتصر التفتيت على الحدث بل يشمل اللغة, حيث تتسع دائرة الدلالة إلى درجة تسمح بجمع أعناق المتناظرات وتعني المعنى ونقيضه , ويتمثل التفتيت فيما يسمى اللغة الصامتة أو اللغة اللامنطوقة التي تعتمد على الرموز والأحلام والرسم والموسيقى, وهناك التكثيف والتركيز وهو رديف للصمت الدال العميق , وقد نجم عن ذلك شيوع الشاعرية حيث أصبحت اللغة هي مادة القص وغايته بدلا من أن تكون وسيلته , وكان النقاد يعبرون عن اللغة المقصودة لذاتها في الشعر بالزجاج الملون , واللغة الوسيلة بالزجاج الشفاف في القصة , وفي السرد الحديث تداخلت اللغتان معا , فليس ثمة تقرير بل تشكيل .
والمفارقة في لغة القص جزء من ظاهرة التفتيت , وهي التي عنينا بها الدلالة على الشيء ونقيضه , وهذا يعكس لونا من ألوان العبث , وهذه الرؤية تبرز عدمية العالم عند الشخصية , عندها يتساوى لديها الشيء ونقيضه .
) ثانيا : تراسل المدركات
حين تتراكم الصور عبر المشاهد دون أن تخضع لمنطق السببية , حيث تضطرب حالات الزمن وتتداخل على نحو متشابك وحيوي يعتمد على التداعيات عبر تيار الوعي الذي ينتظم جملة من الترابطات النفسية التي تضمن معنى ما , فتأتي الوحدة هنا من خلال التعدد الذي يصب في مجرى الصورة الكلية التي تبدو أقرب إلى الصورة الشعرية بعناصرها المتكافئة الموحية , ولم تعد الصورة وصفية جامدة بل متزمنة بزمن ومتحركة ودينامية, فهي سلسلة من المتناقضات المتداخلة والمتماثلة. وقد أصبحت الصورة تعتمد على التشخيص والتجسيد وتراسل مدركات الحواس.
) ثالثا : الزمان والمكان
لقد توسل كتاب القصة القصيرة بالزمان والمكان فجعلوا منه وسيلة للإفضاء بالرؤية من خلال نظام تتابعه غير المألوف إذ تشكل النقلات الزمانية والمكانية , وأسلوب الوصف منظورا فكريا يحدد موقف الكاتب , فتداخل الوحدات الثلاث للزمن وتشابكها على نحو خاص يفضي إلى رؤية معينة .
) رابعا : التقانات السينمائية
استثمار التقانات السينمائية كالتصوير السريع والبطيء والمونتاج الزماني والمكاني والقطع والاختفاء التدريجي وما إلى ذلك ودخول التراث كعنصر جمالي , وترميزه والمزج بينه وبين العناصر المعاصرة , ودخوله في التشكيل البنائي , ويتصل بذلك مسألة إعادة إنتاج الدلالة من خلال الرمز الذي يتولد من التشكيل الصوري.
) خامسا : أعماق اللا شعور
الإتكاء على الحلم والكابوس وما يتصل بهما من غوص إلى أعماق اللاشعور واستثمار معطيات علم النفس التحليلي خاصة الرؤية الفرويدية للحلم كما جاءت في كتابه "تفسير الأحلام" والر
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |